أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
501
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
نهايتها ، ولو تكلم عليهما معا لكان أحسن كما فعل فيما يأتي حيث قال : الفكرة فكرتان إلخ . وقال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : الفكرة انبعاث القوة الإدراكية في عالم الغيب والشهادة ليدرك حقيقة الأشياء على ما هي عليه ، ومن وجد ذلك فهو عارف انتهى . وقيل : إنما عبر الشيخ بالأغيار وهي المخلوقات لقوله عليه السلام وقد رأى قوما يتفكرون فقال لهم : « تفكّروا في الخلق ولا تفكّروا في الخالق ، فإنّكم لا تقدّرون اللّه حقّ قدره « 1 » » انتهى . قلت : إنما نهى عليه السلام عن التفكر في كنه الذات وإدراك الحقيقة ، وأما التفكر في عظمة الذات وقدمها وبقائها ووحدانيتها وتجلياتها في ظهورها وبطونها فهذا لا ينهي عنه ، لأنه سبب المعرفة مع العجز عن إدراك الكنه . والتحقيق أن أهل الحجاب لا يحل لهم التفكر إلا في المصنوعات ، وأما أهل العرفان فلا يتفكرون إلا في عظمة الذات : أي في عظمة الصانع وتوحيده وقدمه وبقائه وطهوره واحتجابه ، وفي الغيبة عن الحس وشهود المعنى ، أو في الغيبة عن الكوّن بشهود المكون ، أو في الغيبة عن الظلمة بشهود النور ، وهو سراج القلب الذي أشار إليه بقوله : 263 - الفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له . قلت : الفكرة في عظمة الباري وتوحيده نور ، فإذا كان القلب مشغولا بالفكرة في عظمة الحق فهو منوّر بنور الحق ، وإذا خلا من الفكرة في الحق دخلته الفكرة في الأغيار وهي ظلمة ، ولا تجتمع الظلمة والنور أبدا ، فالفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت الفكرة في الحق انطفأ نوره بدخول ظلمة الكون فلا إضاءة له ، ولذلك قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع اللّه في ميدان الفكرة على بساط التوحيد انتهى . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : أربعة من حازهن فهو من الصديقين المقربين ، ومن حاز منهن ثلاثة فهو من أولياء اللّه المقربين ، ومن حاز منهن اثنين فهو من الشهداء المؤمنين ، ومن حاز منهن واحدة فهو من عباد اللّه الصالحين . أولها : الذكر ، وبساطه العمل الصالح ، وثمرته النور . الثاني : الفكرة ، وبساطه الصبر ، وثمرته العلم . الثالث : الفقر ، وبساطه الشكر ، وثمرته المزيد منه . الرابع :
--> ( 1 ) رواه وكيع في الزهد ( 226 ) ، وهناد في الزهد ( 946 ) ، ( 947 ) ، وله أصل في البخاري ( 6 / 336 ) ، ومسلم ( 1 / 120 ) ، بنحوه .